مجمع البحوث الاسلامية

134

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الطّبرسيّ ( 8 : 409 ) : « أي يجدون أبوابها مفتوحة حين يردونها ، ولا يحتاجون إلى الوقوف عند أبوابها حتّى تفتح . وقيل : معناه لا يحتاجون إلى مفاتيح ، بل تفتح بغير مفتاح ، وتغلق بغير مغلاق . . . » . وصيغة ( التّفعيل ) في « مفتّحة » للتّكثير ، لكثرة الأبواب ، أو للإكمال والإتمام ، أي فتحت لهم على مصراعيها كاملة ، عكس غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ في الآية ( 5 ) ؛ حيث كانت للشّدّ والسّدّ ، وقد سبقت . أمّا في ( 17 ) فقد زاد يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ، أي لا يدخلونها وحدهم ، بل مع هؤلاء الأقرباء ، وهذا أهنأ لهم وأمتع . كما زاد وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ، أي أنّهم يكونون في خدمتهم ، يدخلون عليهم من جميع الأبواب . ومعلوم أنّ « الجمع » في « الجنّات » و « الملائكة » و « كلّ باب » يعني التّفخيم والتّعظيم والتّوسعة . وما ظنّك بهؤلاء الّذين دخلوا جنّات عدن مع جميع أقاربهم ، وجمع غفير من الملائكة في خدمتهم يدخلون عليهم ويخرجون من كلّ باب جماعة وفرادى ، ليهيّئوا لهم ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين ! أمّا الآية ( 18 ) في وصف المتّقين مع قرينتها ( 19 ) في وصف الكافرين ، ففيهما آفاق من البحث : أوّلها : أنّهما بدأتا ب « سيق » ، أي يساق كلّ من المتّقين والكافرين ، هؤلاء إلى الجنّة ، وهؤلاء إلى جهنّم ، والفعل المجهول إمّا للتّعمية والتّفخيم لحالة السّوق بحيث لا يدرك مداها ، ليذهب ذهن السّامع إلى كلّ مذهب ممكن من الشّدّة والعظمة ، أي من الهناء والمحبّة والحرمة لأهل الجنّة ، ومن العناء والغضب والإهانة لأهل النّار . أو أريد بالمجهول : عدم التّركيز والاهتمام بالفاعل ، أي لا يهمّ من كان السّائق لهم ، إنّما المهمّ وصف مصير الفريقين ، والأوّل أولى . ثانيها : في السّوق نوع من الكراهة للمسوق ، ومن الإكراه والإجبار من قبل السّائق ، وفيه تحقير وذلّة لمن يساق ، وهذا مفهوم في أهل النّار . أمّا أهل الجنّة فإنّهم تائقون إليها مستعجلون في دخولها بطبيعتهم ، فما الموجب لسوقهم ؟ والجواب في التّفاسير بوجوه : منها : أنّ سوق أهل النّار وطردهم إليها بالخزي والهوان كما يفعل بالأسارى والخارجين على السّلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل ، وسوق أهل الجنّة هو سوق مراكبهم إلى دار الكرامة والرّضوان ، لأنّه لا يذهب بهم إلّا راكبين لشرفهم . على تأمّل فيه للآلوسيّ في تعميمه لجميع المتّقين ؛ حيث جاء في الأحاديث أنّهم على طبقات ولهم مراتب ، فلاحظ . ومنها : أنّهم لمّا أحبّوا اللّه أحبّ اللّه لقاءهم ، فاشتاق إليهم فساقهم إليه ، كما قال الشّاعر الفارسيّ : تا كه از جانب معشوق نباشد كششى * كوشش عاشق بيچاره بجائى نرسد أي : إن كنت لا تلقى حبيبا يرتضي * وصلا فلا تأل فأنت الخاسر ومنها : أنّها جاءت هكذا للمشاكلة بين الفريقين ، وما يوهمه لفظ « سيق » من التّحقير فيهما يدفعه قوله : ( إلى الجنّة ) وما بعده في أهل الجنّة . ومنها قول بعض المتصوّفة : إنّ المتّقين حينما يرون